وقرر قاضي المحكمة، قبل أسبوعين، أن تكون حضانة "ملاك" لجدتها لتقوم بحفظها وصيانتها ورعايتها كما جاء بالصك الصادر عن القاضي، إلا أنه وبعد صدور الحكم لم تجد الأم والجدة طفلتهما، وقامت الشرطة بالبحث عنها فوجدوها قد تزوجت خارج القصيم بمدينة الطائف).
وتعليقا على الخبرين أقول إنه في أوروبا وأمريكا وآسيا بل وبعض بلدان الخليج، تنتشر تجارة الرقيق الأبيض، أو بمعنى أصح الدعارة، حيث تباع الفتيات الصغيرات لسوق نخاسة يجبرن فيه على ممارسة البغاء، من أجل أن يرتوي أشباه الرجال من المال أو الجنس. لكن تلك التجارة البغيضة تتم في الخفاء، وبالتحايل على القوانين الوضعية، أو خرقها، ولو افتضح خبر القائمين عليها، لكانوا في خبر كان.
في المقابل فإنه في القصتين المذكورتين هنا طفلتان تباعان إلى رجلين بالغين عنوة وفي وضح النهار، وباستغلال سيئ لشرع الله تعالى. والذين قاموا بالفعلة الشنيعة (الوليان)، يعيشان بين الناس وبشكل طبيعي دون أن يتعرض لهما أحد! بينما تقبع إحدى الضحيتين خلف القضبان في انتظار القصاص وهي بعد في سن الطفولة، وأخرى خلف سجن الزوجية في مكان الله وحده يعلم أين هو، بعيدة آلاف الأميال عن مسقط رأسها وعن أمها.
في القصة الأولى، نستطيع أن نلمح بأن المال والعوز ربما كان الدافع وراء بيع فتاة فلسطينية لرجل سعودي، لتتحول عصفورة جميلة إلى مجرمة متوحشة تقتل رجلا كبيرا وبالسلاح الأبيض.. وأنا أتساءل ما الذي أوصل الطفلة إلى حافة الجنون لتقدم على فعلتها؟ هل كانت تتعرض لإيذاء سابق متواصل، وانفجر البركان حين وجدت نفسها تباع كشاة لرجل؟ أم إنها النزعة الفطرية للحرية والدفاع عن النفس ضد الاغتصاب (تحت مسمى الزواج) من قبل رجل لم تختره؟
إنني أتعجب من عدم تفاعل الصحافة والمنتديات مع هذه القضية مثلما تفاعلوا مع قضية الفتاة التي قتلت شابا دفاعا عن شرفها. حسنا ألم تكن هذه الطفلة تدافع ربما أيضا عن شرفها ضد زواج (باطل) في نظرها؟ إنني أسأل أهل الفقة والشرع هنا: هل زواج المكرهة شرعي وصحيح؟ وهل يحق للمرأة التي تزوجت بهذه الطريقة أن تمتنع عن القيام بواجبات الزوجة؟
ما أثارني هو أن هناك من يعتبر أن هذه الفتاة ليست قاصرا، وأنها في انتظار العفو أو القصاص، وأنا أتساءل وأين العدالة هنا؟ فلو صح أن سبب القتل هو رفضها لهذا الزوج أصلا ولما لم تجد وسيلة تتخلص منه إلا بهذه الطريقة حسبما أوحى لها عقلها الصغير، أفليس الأولى معاقبة من تسببوا في المأساة؟ تماما كما نتعامل مع قضية الإرهاب. ففي قضايا الإرهاب، الكل محاسب، من يروج له فكريا، من يمده ماليا، ومن ينفذه فعليا، ومن ينسق ويرتب. حسنا فأين مسؤولية أهل هذه الفتاة ووليها الذي استغل الولاية؟ ثم أين مسؤولية القتيل الذي قبل بأن يشتري طفلة للمتعة؟ وأهل الزوج الذين بيدهم العفو الآن أين كانوا حين أقدم القتيل على الزواج بقاصر؟
وإذا كانت القضية الأولى تثير كل هذه التساؤلات، فإن القصة الثانية لا تقل عنها فظاعة. طفلة ينفصل والداها عن بعضهما وهي في سن الخامسة أو أقل. وحسب الشرع والقانون، فإن حضانتها للأم حتى السابعة على أقل تقدير، خاصة وأن الأم لم تتزوج، ثم هناك الجدة وهي أيضا حاضنة. ولكن ويا للعجب نرى الطفلة تترعرع لخمس سنوات عند كائن يطلقون عليه اسم أب، وفي الحقيقة إن لقبا غاليا كهذا لا يطلق على أمثاله. هذا الرجل يريد التخلص من الطفلة لسبب ما، لا يبدو ماديا، وبدلا من أن يعيدها إلى أمها وجدتها، أو حتى يرسلها لدار للأيتام يبيعها أيضا لكائن آخر يسمونه رجلا..
المهم أن الطفلة تزوجت، ولأنها طفلة فقد طلقت، وبدلا من أن يتم إيقاف السفيه عن فعلته إذا به يكرر جريمته. بالرغم من أن الأم اشتكت، بل وحصلت على حكم من المحكمة، ولكن (كالعادة) لا يوجد من يجبر الرجال على تنفيذ الأحكام. فحكم القاضي بحضانة الطفلة يعني ضمنيا أنها قاصرة شرعا وقانونا، وتم نقل ولايتها لأمها، وبالتالي لم يعد الأب وليا حسب فهمي المتواضع للقضية. فما هي العقوبة المترتبة على إخلاله بحكم القاضي وتزويجه للفتاة؟ وماذا تفعل الأم بحق الحضانة..هل هي أحق بالطفلة من الزوج الجديد أم هو أحق؟ وهل زواجها هذا باطل أم صحيح حيث لا يوجد قبول؟إنني أتساءل كيف يوافق المأذون الشرعي (الذي يمتنع عن عقد القران حاليا في حال لم تتوفر شهادة الكشف الطبي) على عقد زيجات كهذه؟ ألا يطَّلع على عمر العروس؟
إنني أطالب باتخاذ كافة التدابير القانونية التي تمنع مسلسل بيع البنات هذا، واستنادا على قاعدة شرعية شهيرة وهي: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، والمفاسد هنا هي تحول فتيات في عمر الزهور إلى قاتلات، أو مومسات أو مجنونات، انتقاما من أسرهن وأزواجهن والمجتمع.
من هذه التدابير رفع سن الزواج بالنسبة للفتيات إلى الثامنة عشرة حسب التقويمين الهجري والميلادي، وهو أمر تقوم به بعض دول الخليج حاليا. ورجاء لا أحد يتحدث عن العنوسة، فزواج الصغيرات ينتهي بالطلاق الذي هو أسوأ بألف مرة من العنوسة المزعومة.كما يجب إلزام كل فتاة باستخراج بطاقة شخصية عند سن السادسة أو السابعة عشرة، تحمل علامة مميزة تستخدم في التعرف عليها، سواء الصورة الشخصية (وللمعارضين نقول للضرورة أحكام) أو البصمة الإلكترونية. وألا يتم عقد القران إلا بحضور الفتاة وتأكد المأذون من شخصيتها وموافقتها، بل وتوقيعها هي شخصيا على وثيقة الزواج. وإذا كان في الأمر حرج، فيمكن أن يتم إنشاء أماكن خاصة للتأكد من هذه القضية، على أن يعقد القران في وقت لا حق حسبما جرت العادة.
ربما أن البعض سيرى اقتراحي غير واقعي أو عملي، وأنا أقول بأنه ربما لا يكون أفضل حل (مع تمام اقتناعي بقضية رفع سن الزواج)، لكنني كنت معنية وأنا أفكر فيه بشيء واحد وهو أن أوقف الكارثة التي تلحق بهذه الورود البريئة، التي ترتكب في حقها جرائم لا تختلف عن جرائم الغزاة والمحتلين، إنها جريمة سلب الحرية والكرامة.. جريمة اغتصاب الطفولة واغتيال البراءة.* نقلا عن جريدة "الوطن" السعودية
كتبها نوال إبراهيم في 07:48 مساءً ::
الاسم: نوال إبراهيم
